|
التطابق في محبة النبي ﷺ ونصرة الإسلام بين ابو بكر وعلي رضى الله عنهما
........................ بقلم الدكتور الطبيب : محمد جميل الحبال
........................
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء
والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين... عندما نتأمل في سيرة الخلفاء الراشدين رضي
الله عنهم اجمعين ، نجد أن أبا بكر الصديق وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما يمثلان
نموذجين متكاملين في نصرة الإسلام و محبة نبيه محمد عليه الصلاة و السلام، مع
اختلاف الظروف والأدوار،واتحاد المقاصد والغايات! فقد جمعتهما علاقة خاصة برسول
الله ﷺ، وجمعهما إخلاص صادق للدين قبل وفاته وبعدها كما سنوضحه في المحاور التالية.
أولاً: علاقتهما برسول الله ﷺ تميّز أبو بكر الصديق رضي الله عنه بقربه
العظيم من رسول الله ﷺ، فكان صاحبه في الهجرة، وقد خلّد القرآن هذه الصحبة
بقوله تعالى:﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ
مَعَنَاَ﴾[التوبة: 40] كما زوّجه النبي ﷺ ابنته عائشة رضي الله عنها، فصار
صهراً له، وازداد قرباً ومحبة أما علي بن أبي طالب رضي الله عنه و كرم الله
وجهه، فهو ابن عم رسول الله ﷺ، نشأ في بيته، وربّاه على عينه، ثم زوّجه ابنته
فاطمة رضي الله عنها، فكان أقرب الناس إليه نسباً وصهراً بعد أبي بكر
الصديق.وهكذا اجتمع الرجلان في شرف القرب من النبي ﷺ أبو بكر بصحبته، وعلي
بنسبه، وكلاهما بصهره!
ثانياً: السبق إلى الإيمان والتضحية في سبيل
الدعوة وكان أبو بكر رضي الله عنه أول من أسلم من الرجال، فحمل همّ الدعوة منذ
اللحظة الأولى، وبذل ماله وجهده في نصرة الإسلام، فأسلم على يديه كبار الصحابة،
وأنفق ماله كله في سبيل الله.وكان علي رضي الله عنه أول من أسلم من الصبيان،
ووقف منذ شبابه مدافعاً عن رسول الله ﷺ، حتى نام في فراشه ليلة الهجرة معرضاً
نفسه للخطر، حماية للنبي ﷺ فكان الفدائي الاول في الاسلام. كما هو الحال مع ابي
بكر الصديق الذي فداه بنفسه ايضاً بهجرته معه عليه افضل الصلاة و السلام!
فالتشابه ظاهر:فكلاهما صدق في النصرة و كانا له فداءً بالمال والنفس
ثالثاً: نصرة النبي ﷺ في حياته دافع أبو بكر رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ
بلسانه وماله وجسده، حتى ضُرب وأوذي حين كان يذود عنه المشركين في مكة وكان علي
رضي الله عنه سيفاً من سيوف الإسلام في بدر وأحد والخندق وخيبر، وقال النبي ﷺ
يوم خيبر:(لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله) رواه
البخاري ومسلم وكان من اشجع الصحابة فاشتركا في حماية الدعوة:أبو بكر بالحكمة
والمال والثبات وعلي بالشجاعة والسيف والإقدام
رابعاً: موقفهما بعد وفاة
النبي ﷺ عند وفاة رسول الله ﷺ، وقف أبو بكر رضي الله عنه موقف القائد
الرباني فقال:(من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن
الله حي لا يموت).ثم قاتل المرتدين، وحفظ كيان الأمة، وجمع القرآن و كان اول من
جمع القرآن في الصحف البكرية الصديقية، وصان أركان الدين أما علي رضي الله عنه،
فقد بايع أبا بكر رضي الله عنه، وكان عوناً له و للخلفاء من بعده في القضاء
والفتوى.فلما تولى الخلافة، حكم بالعدل، وصبر على الفتن، وقاتل من بغى حفاظاً
على وحدة الأمة.
خامساً: وحدة الهدف رغم اختلاف الدور وإذا تأملنا
سيرتهما وجدنا أن: - أبا بكر رضي الله عنه نصر الإسلام في مرحلة تثبيت
الدولة - وعلي رضي الله عنه نصر الإسلام في مرحلة الفتنة الاضطراب أبو بكر
واجه الردة وعلي واجه الفتن الداخلية كلاهما واجه الخطر بعقيدة واحدة وقلب واحد
قال أهل العلم:اجتمع أبو بكر وعلي في صدق الإيمان و الجهاد، وإن اختلف ميدان
العمل.
سادساً: وحدة البيوت في نصرة الإسلام ، ومن أوجه التشابه العميقة
بين أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، ما كان بينهما من صلة
وثيقة في البيوت كما كان بينهما من صلة في الدين والجهاد.فقد تزوّج أبو بكر
الصديق رضي الله عنه من أسماء بنت عميس الخثعمية رضي الله عنها بعد استشهاد
زوجها جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه في غزوة مؤتة، إكراماً لها، ورعايةً
لأيتام جعفر، ووفاءً لصاحبه الشهيد الطيار في الجنة. فأنجبت له أسماء رضي الله
عنها محمداً بن أبي بكر.ثم لما تُوفي أبو بكر الصديق رضي الله عنه، تزوّج علي
بن أبي طالب رضي الله عنه أسماء بنت عميس، فكفل محمداً بن أبي بكر في بيته،
وربّاه مع أولاده، حتى نشأ ملازماً لعلي محباً له، وكان يُعرف بربيب في حجر علي
بن أبي طالب رضي الله عنه وهكذا اجتمع في هذا البيت الكريم نسب جعفر، وصحبة أبي
بكر، وولاية علي , في صورة فريدة من صور التراحم والتكافل، أن الخلافة كانت
تعاوناً على حفظ الدين ورعاية أهله فإذا كان أبو بكر قد نصر جعفراً بعد
استشهاده بزواجه من أرملته وكفالته لأبنائه، فإن علياً قد نصر أبا بكر بعد
وفاته بزواجه من زوجته وكفالته لولده فكأنما تداولوا البيوت كما تداولوا نصرة
الإسلام.
خاتمة إن أعظم درس نتعلمه من سيرة أبي بكر
وعلي رضي الله عنهما هو أن الخلاف في الأسلوب لا يعني الخلاف في المقصد، وأن
وحدة الصف مقدمة على المصالح الشخصية، وأن نصرة الدين تكون بالمال حيناً،
وبالسيف حيناً، وبالصبر حيناً آخر. وقد صدق من قال أبو بكر حمى الإسلام ساعة
الردة وعلي حمى الإسلام ساعة الفتنة، وكلاهما حمى الإسلام ساعة الخطر فرضي
الله عنهما وأرضاهما، وجمعنا بهما في جنات النعيم، وهذا مثال واضح عن علاقة
ومحبة معظم الصحابة الكرام رضي الله عنهم مع آل بيت النبوة عليهم السلام ونيل
الشرف بمصاهرتهم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
نُشر يوم ٣١ كانون الثاني ٢٠٢٦م في مجلة (زهرة البارون) الإلكترونية العدد ٤٦٣
الصفحة ٢٠-٢٢، وتجدون عدد المجلة على هذا الرابط:
اضغط هنا

 |