عجـب الذنـب .. مركز التخليق وإعادة التركيب

 

بقلم الدكتور محمد جميل الحبال

يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم : (كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب منه خلق وفيه يركب). رواه مسلم الجامع الصغير / 6270. قال شراح الحديث إن عجب الذنب (رأس العصعص وهو مكان رأس الذنب من ذوات الأربع). وحتى نفهم الإعجاز البليغ في حديث النبي صلى الله عليه وسلم علينا أن نفهم أولاً أهمية الجزء الذيلي Caudal partمن جسم الإنسان، ولنبدأ بما بدأ به الحديث (منه خلق) :

بعد أن تنقسم البيضة المخصبة عدة انقسامات تترتب خلايا inner Cell massإلى القرص الأوليdisk  Germالمكون من طبقتين من الخلايا : خارجية Ectoderm  وداخلية Endoderm  ثم يستطيل هذا القرص وتستدق نهايته الذيلية مكوناً شكلاً كمثرياً ليبدأ الحدث الأهم في الأسبوع الثالث من حياة الجنين وهو ظهور أخدود طولي في الجزء الذيلي من القرص الجنيني في اليوم الخامس عشر والذي يعرف باسم الشريط الأولي Primitive streakوالذي تكمن أهميته في كونه الموزع الرئيسي للخلايا المكونة للأنسجة الجنينية الثلاثة Endoderm, Ectoderm, Mesoderm  حيث تبدأ خلايا Ectodermبالانفصال عنده هذا الشريط لتتخذ مكاناً لها بين الـ Ectoderm & Endodermمكونة الطبقة الثالثة الـ Mesoderm  . وهذه الطبقات الثلاث التي تأخذ مواقعها وترتيبها نتيجة النشاط الغزير للشريط الأولي ـ هي الأساس لجميع الأنسجة الجسمية المنوعة :

 فالـ Ectoderm     يكون الجهاز العصبي CNS,، والخلايا الحسية في الأنف والأذن والعين ، وطبقة البشرة  Epidermisوسالفة العمود الفقري Notocord ،

والـ   Endoderm  يكون القناة الهضمية وملحقاتها GIT.

والـ Mesoderm    يكون   الجهاز الحركي (عظام + عضلات) Musculo-skeletal system  والجهاز البولي التناسليUrogenital system  ، وجهاز الدوران CVS ، والأغشية الجسمية Peritoinium, pleura, pericardium .

وهكذا ندرك أهمية الشريط الأولي، إذا علمنا أن لجنة دارنك البريطانية قد اعتبرت الشريط الأولي العلامة الفاصلة للوقت الذي يسمح فيه للأطباء والباحثين بإجراء التجارب على الأجنة المبكرة للإنسان، حيث سمحت اللجنة بإجراء هذه التجارب قبل ظهور الشريط الأولي ومنعته منعاً باتاً بعد ظهوره على اعتبار أن ظهور هذا الشريط يعقبه البدايات الأولى للجهاز العصبي.

ينتهي عمر الشريط الأولي Primitive streakفي نهاية الأسبوع الرابع وإذا حدث خلل ما وبقي هذا الشريط حتى الولادة فإنه يؤدي إلى ظهور أورام في المنطقة العصعصية ـ تحتوي على أنسجة متنوعة مشتقة من الطبقات الجنينية الأصلية الثلاث (مثل الشعر، الإنسان، عظام، أوعية دموية، .. إلخ ) ، لأنه يحتوي على الخلايا الأم للكائن الحي وهذه المعلومة الطبية الهامة ( في علم الأنسجة والأورام ) تثبت أن عجب الذنب ( عظم العصعص في نهاية العمود الفقري ) يحتوي على الخلايا الأم الرئيسة The Stem cellsالتي تتضمن كافة المعلومات الوراثية عن ذلك الكائن ( كالإنسان مثلاً ) والتي جاءت وكما ذكرنا سابقاً من ضمور الشريط الأولي في الأسابيع الأولى لخلق الجنين وتمركزها في نهايته والذي سيمثل في المستقبل عظم العصعص ( عجب الذنب ) والذي يمكن تشبيهه كالصندوق الأسود في الطائرة الذي يحوي كافة المعلومات عنها . هذه المعلومة تتلخص بأن جميع الأورام
(الحميدة والسرطانية) التي تنشأ من نسيج معين كالعظم أو العضلة أو الغدد اللمفاوية أو الأمعاء تتكون عادة من نفس خلايا ذلك النسيج الذي نشأت منه فالورم العظمي مثلاً يتكون من خلايا العظم والأورام اللمفاوية من خلايا الغدد اللمفاوية وهكذا ولكن الورم الذي ينشأ من عظم العصعص ( عجب الذنب ) يتكون عادة من خليط متنوع من جميع أنسجة وخلايا الجسم ويسمى
The Teratoma-Toti potent cells(الورم المتعدد الخلايا) فهو يحتوي على خلايا عظمية ولمفاوية وعضلية الخ .. وحتى الشعر مما يثبت أن خلايا عجب الذنب تحتوي في أنويتها على الخلايا الرئيسية التي تتألف منها جميع الأنسجة في الجسم .

        إن فكرة إعادة خلق كائن حي من جزء منه كانت غريبة إلى وقت قريب، لكن نجاح استنساخ (استنسال) بعض الحيوانات والأبحاث الجارية حول الاستنساخ البشري ـ الذي يعتبر العلماء أن مسألة نجاحه اليوم باتت مسألة وقت لا غيرها ـ قد أزالت العجب عن هذه الفكرة ـ فكرة إعادة خلق كائن حي من جزء منه وهو نواة خلية واحدة فقط تحمل كافة المورثات (الجينات) ، بغض النظر عن الحكم الشرعي والبعد الأخلاقي لمسألة الاستنسال والتي يحرمها الشرع بالنسبة للإنسان .

وهذه الفكرة العظيمة ـ التي باتت سمة القرن الحادي والعشرون ـ تأييد لما قاله الصادق المصدوق قبل أكثر من 1400 سنة والتي تقرب لنا مفهوم إحياء الموتى. فإن المفيد في هذه المسألة أنها تقرب إلى أذهاننا مفهوم البعث يوم القيامة حيث أن جميع المخلوقات بضمنها الإنسان يبقى منه بعد موته وبلاء جسده الرمز الجيني محفوظاً في خلايا عجب الذنب وهو ما يسمى بالخارطة الوراثية Genetic Map  التي يختص بها كل إنسان وتبقى محفوظة داخل بقايا عظم العصعص (عجب الذنب) وهو من أقوى عظام الجسد فتشكل النواة فيه البذور التي ينبت منها الإنسان يوم البعث كما ينبت البقل وذلك مصداق قوله صلى الله عليه وسلم (ما بين النفختين أربعون قال أربعون يوماً قال : أبيت قال أربعون شهراً قال أبيت قال : أربعون سنةً قال أبيت قال ثم ينزل الله من السماء ماءاً وينبتون كما ينبت البقل (ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظماً واحداً وهو عجب الذنب ومنه يركب الخلق يوم القيامة) صحيح البخاري .

ثم تأتي الأرواح (التي هي موجودة في السماء عند بارئها حيث أنها تعود إليه محفوظة بعد موت صاحبها ومفارقتها لجسده) وتدخل هذه الأجساد النابتة فإذا هم قيام ينظرون وكما يقول الله تبارك وتعالى: (وإذا النفوس زوجت ) (التكوير7) وهذا التشبيه بين إنبات النبات وبعث الموتى يوم القيامة نجده ماثلاً في كثير من الآيات لتقريب المفهوم وضرب المثل ومنها قوله تبارك وتعالى : (وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، ذلك بأن الله هو الحق وإنه يحي الموتى وأنه على كل شيء قدير،وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور) (الحج 5-7 ) .

وهكذا فقد أصبحت العلوم الطبية والحقائق العلمية في خدمة العلوم القرآنية والشرعية

الطبيب الاستشاري
الدكتور محمد جميل الحبال
باحث في الإعجاز العلمي والطبي في القران والسنة
الموصل العراق- يمكن التواصل على العنوان:

alhabbal45@yahoo.com

 

المصـادر

1- القرآن الكريم

2- الموسوعة الذهبية للأحاديث النبوية ( قرص ليزري ).

3- السيوطي ، الاكليل في استنباط التنزيل، بيروت / 1987.

4- السيوطي ، الجامع الصغير للسيوطي / دار الفكر، بيروت / 1981.

5- حسان شمس باشا ـ زيت الزيتون أسرار وإعجاز ، مجلة الإعجاز العلمي ـ العدد (8) شوال 1421هـ /ص30 .

6- عبد الحكيم عبد الله ، إعجاز الطب النبوي ، دار الآفاق العربية، القاهرة ، 1998

7- عبد الغني عبد الخالق حجية السنة ، مطبعة منير، بغداد 1993.

8- محمد جميل الحبال ووميض العمري ، الطب في القرآن ، دار النفائس، بيروت ، 1998.

9- محمد جميل الحبال ومقداد الجواري ، العلوم في القرآن ، دار النفائس، بيروت ، 1999 .

10-         محمد علي البار ـ الإعجاز العلمي في أحاديث منع التداوي بالخمر ، مجلة الإعجاز العلمي ـ العدد (7) / جمادي أول 1421 ص32.

11-         محمد فؤاد عبد الباقي، المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم،دار الفكر، بيروت1981.