الإشارات  العلمية والطبية في قصة (أصحاب الكهف)

 

المقدمة والهدف من القصة :

القرآن الكريم كتاب عقيدة ومنهاج حياة لإقامة وتكوين الإنسان الصالح والمجتمع الفاضل على هُدىً من الإيمان بالله سبحانه وتعالى وباليوم الآخر وبقية أركان الإيمان الأخرى قال تعالى : (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) [الإسراء/9] .

ومن هذا المنطلق فإن ذكر القرآن الكريم لقصة أهل الكهف تهدف في جوهرها إلى :

1.  توضيح عقيدة التوحيد (الربوبية والألوهية) بقوله تعالى على لسان الفتية المؤمنين: (وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا) [الكهف/14] .

2.  إظهار وإثبات عقيدة البعث والنشور والإيمان باليوم الآخر في قوله عز وجل: (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا) [الكهف/21] . أما الإشارات العلمية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها الواردة ضمن سياق هذه القصة المهمة فهي تابعة للحقيقتين أعلاه ودالة عليهما .

ونحن في هذا البحث سنذكر أهم الإشارات العلمية والطبية المستنبطة من قصتهم إظهاراً للإعجاز والسبق العلمي في القرآن الكريم في عصر العلم والمعرفة ، فقد بدأت حقائق العلم ونواميس الكون المكتشفة تفسر لنا كثيراً من إشارات القرآن الكونية وتكشف لنا عن كنوزه ، وتخدمنا في فهم معانيه وبيان صدقه وأنه كلام الله عز وجل الذي أحاط بكل شيء علماً ، قال تعالى (قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) [الفرقان/6] .

يقول الدكتور إبراهيم الخولي الأستاذ بكلية اللغة العربية في جامعة الأزهر عن قصة أهل الكهف : (إن القرآن الكريم حريص بصفة عامة في قصصه على عدم النص على الأشخاص أو الأماكن أو الأعداد وغيرها من التفاصيل التي لا ضرورة لها فيما يتصل بالمغزى والسباق لما يريده ومع هذا يشير إلى قرائن يستطيع المدقق أن يكتشف من خلالها حقائق كثيرة كأنما يقصد القرآن بذلك تحميل نصوصه كنوزاً خفية من آيات يجليها للناس حيناً بعد حين)([1]) .

 

أما تفاصيل قصة هؤلاء الفتية الذين آمنوا بالله وآثروا الهرب بدينهم واللجوء إلى كهف موحش ، فيمكن الرجوع إليها في كتب التفاسير لشيوعها . وسنذكر أدناه أهم الإشارات الطبية والعلمية في بيان هذه المعجزة القرآنية المتجددة .

 

أولاً : الإشارات العلمية العامة .

 

1. الأسلوب العلمي البليغ في بيان ملخص القصة أولاً ثم التفاصيل ثانياً :

إن الآيات الأربع الأولى من السورة (9ـ12) التي تبدأ بها القصة ذكرت مجمل وخلاصة الأحداث (الموجز) ثم ذكرت التفاصيل في الآيات الأربع عشر التالية (13ـ26) بدليل ذكر مدة رقودهم في الموجز بقوله تعالى : (فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا) [الكهف/11] . ثم بين هذه المدة بعد ذلك في التفصيل في آخر آية من قصتهم بقوله تعالى :  (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا) [الكهف/25] .

 

2. إظهار آيات الله وعجائبه في مخلوقاته :

 فالله تعالى أمر بالتفكر بها حيث أنها لا تقل عجباً عن آية أصحاب الكهف والرقيم بالرغم من كونها خارقة لقوله تعالى (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا) [الكهف/9] فإن في صفحات هذا الكون من العجائب ما يفوق قصتهم . وقد ذكر أبن كثير في تفسيره لهذه الآية ما نصه : (أي ليس أمرهم عجيباً في قدرتنا وسلطاننا فإن خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار وتسخير والقمر والكواكب وغير ذلك من الآيات العظيمة الدالة على قدرة الله تعالى وأنه على ما يشاء قادر ولا يعجزه شيء ، أعجب من أخبار أصحاب الكهف)([2]) . ويقول صاحب تفسير الظلال ضمن هذا السياق : (وإن قصتهم على غرابتها ليست بأعجب آيات الله ، وفي صفحات هذا الكون من العجائب وفي ثناياه من الغرائب ما يفوق قصتهم)([3]) .

 

3. المطالبة بالدليل العلمي :

القرآن الكريم زاخر بالأدلة العلمية والبراهين العقلية على وجود الخالق والإيمان به وحده لا شريك له وببقية أركان الإيمان في حين أن المشركين والملحدين ليس لهم الأدلة العلمية الواضحة على صدق دعواهم . قال تعالى (هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) [الكهف/15] . والسلطان البين هو الدليل والبرهان الواضحان .

 

4. الاهتمام في المناقشات والأبحاث على الأمور الأساسية والمفيدة :

يوجهنا القرآن الكريم دائماً إلى التركيز على الأمور العملية النافعة ويوصي بالابتعاد عن الأمور النظرية والتي لا تنفع ولا يترتب عليها عمل مفيد كعدد أصحاب الكهف أو أسمائهم في قوله تعالى (فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا) [الكهف/22] .

 

ثانياً : الإشارات الطبية :

كي ينام أصحاب الكهف بصورة هادئة وصحية هذه المدة الطويلة من دون تعرضهم للأذى والضرر وكي لا يكون هذا المكان موحشاً ويصبح مناسباً لمعيشتهم ، فقد وفّر لهم الباري عز وجل من الأسباب ما يحقق لهم ذلك ، قال تعالى (فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقاً) [الكهف/17] . يقول سيد قطب في تفسيره لهذه الآية:

(وهنا ينكشف العجب في شأن القلوب المؤمنة فهؤلاء الفتية الذين يعتزلون قومهم ويهجرون ديارهم ، ويفارقون أهلهم ويتجردون من زينة الأرض ومتاع الحياة . هؤلاء الذين يأوون إلى الكهف الضيق الخشن المظلم هؤلاء يستروحون رحمة الله ويحسون هذه الرحمة ظليلة فسيحة ممتدة (ينشر لكم من رحمته) ولفظة (ينشر) تلقي ظلال السعة والبحبوحة والانفساح فإذا الكهف فضاء فسيح رحيب وسيع تنتشر فيه الرحمة وتتسع خيوطها وتمتد ظلالها وتشملهم بالرفق واللين والرخاء.. إن الحدود الضيقة لتنزاح وإن الجدران الصلدة لترق وإن الوحشة الموغلة لتشف فإذا الرحمة والرفق والراحة والارتفاق)([4]) . وسنذكر أدناه بعضاً من هذه الأسباب التي وفرها لهم الله سبحانه وتعالى للمحافظة عليهم مدة رقودهم الطويل ومنها :

 

1. تعطيل حاسة السمع : حيث أن الصوت الخارجي يوقظ النائم وذلك في قوله تعالى : (فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا) [الكهف/11] . والضرب هنا بمعنى التعطيل والمنع أي عطلنا حاسة السمع عندهم مؤقتاً والموجودة في الأذن والمرتبطة بالعصب القحفي الثامن . ذلك أن حاسة السمع في الأذن هي الحاسة الوحيدة من بين الحواس الأخرى التي تعمل بصورة مستمرة في كافة الأحوال وتربط الإنسان بمحيطه الخارجي .

 

2. تعطيل الجهاز المنشط الشبكي (Ascending Reticular Activating System) :

الموجود في جذع الدماغ والذي يرتبط بالعصب القحفي الثامن أيضاً (فرع التوازن) ذلك أن هذا العصب له قسمان : الأول مسؤول عن السمع والثاني مسؤول عن التوازن في الجسم داخلياً وخارجياً ولذلك قال الباري عز وجل : (فضربنا على آذانهم) ولم يقل : (فضربنا على سمعهم) ! أي أن التعطيل حصل للقسمين معاً وهذا الجهاز المهم مسؤول أيضاً عن حالة اليقظة والوعي وتنشيط فعاليات أجهزة الجسم المختلفة والإحساس بالمحفزات جميعاً وفي حالة تعطيله أو تخديره يدخل الإنسان في النوم العميق وتقل جميع فعالياته الحيوية وحرارة جسمه كما في حالة السبات والانقطاع عن العالم الخارجي قال تعالى : (وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا) [النبأ/8] والسبات هو النوم والراحة و(المسبوت) هو الميت أو المغشي عليه (راجع مختار الصحاح ،ص214). فنتج عن ذلك ما يأتي :

أ. المحافظة على أجهزتهم حية تعمل في الحد الأدنى من استهلاك الطاقة فتوقفت حركة عقارب الزمن بالنسبة لهم داخل كهفهم إلا أنها بقيت دائرة خارجه (كالخلايا والأنسجة التي تحفظ في درجات حرارة واطئة فتتوقف عن النمو وهي حية) . فتوقف النمو الجسدي والتقادم بالعمر بالنسبة لهم (Aging process) .

ويرى بعض المفسرين في قوله تعالى : (وأزدادوا تسعاً) ، أن في هذه العبارة إضماراً يمكن تفسيره بوجهين أو أكثر فمن المشهور أن المضمر هو لفظ يدل على الزمن الذي مكثوا فيه في الكهف أي أن المعنى المقدر : (وإزدادوا لبث تسع سنين) ويحتمل أيضاً أن تكون هذه الزيادة بالشهور أو الأسابيع أو الساعات . علماً أن جمهور المفسرين قالوا أن المراد بذلك (كما سيأتي لاحقاً) : ثلاثمائة سنة شمسية وثلاثمائة وتسع سنين قمرية . (ويجوز أن يكون المضمر هو لفظ يدل على مقدار ما ازدادوا في العمر لأن عمر أجسادهم حصل فيه توقف فلم يطابق الزمن الذي لبثوا فيه نائمين ويكون تقدير المضمر في هذه الحالة والله أعلم : (وازدادوا تسعاً في أعمارهم) وهي تسع ساعات وربما أيام بدليل قوله تعالى : (قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم) [الكهف/19] . معنى ذلك أنه لم يكن لتقدم العمر عندهم أثر ظاهر عليهم وهذا التقدير أقرب إلى ظاهر الآية لأن الازدياد هنا مسند إليهم كما هو في نص الآية وأما في التقدير الأول فإن الازدياد مسند إلى مضمر آخر تقديره : (وازدادوا لبث تسع سنين) في حساب من يحسب بالسنين القمرية)([5]) .

ب. تعطيل المحفزات الداخلية والتي توقظ النائم عادة بوساطة الجهاز المذكور أعلاه كالشعور بالألم أو الجوع أو العطش أو الأحلام المزعجة (الكوابيس) .

 

3. المحافظة على أجسامهم سليمة طبياً وصحياً وحمايتها داخلياً وخارجياً والتي منها :

أ. التقليب المستمر لهم أثناء نومهم كما في قوله تعالى (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ) [الكهف/18] ، لئلا تأكل الأرض أجسادهم بحدوث تقرحات الفراش في جلودهم والجلطات في الأوعية الدموية والرئتين وهذا ما يوصي به الطب التأهيلي حديثاً في معالجة المرضى فاقدي الوعي أو الذين لا يستطيعون الحركة بسبب الشلل وغيره .

ب. تعرض أجسامهم وفناء الكهف لضياء الشمس بصورة متوازنة ومعتدلة في (أول النهار وآخره) للمحافظة عليها ومنعاً من حصول الرطوبة والتعفن داخل الكهف في حالة كونه معتماً وذلك في قوله تعالى : (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَتَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ) [الكهف/17] . والشمس ضرورية كما هو معلوم طبياً للتطهير أولاً ولتقوية عظام الإنسان وأنسجته بتكوين فيتامين د (vitamin D) عن طريق الجلد ثانياً وغيرها من الفوائد الكثيرة الأخرى .

يقول القرطبي في تفسيره (وقيل (إذا غربت تقرضهم) أي يصيبهم يسير منها ، مأخوذ من قراضة الذهب والفضة أي تعطيهم الشمس اليسير من شعاعها إصلاحاً لأجسادهم فالآية في ذلك أن الله تعالى آواهم إلى كهف هذه صفته لا إلى كهف آخر يتأذون فيه بانبساط الشمس عليهم في معظم النهار والمقصود بيان حفظهم عن تطرق البلاء وتغير الأبدان والألوان إليهم والتأذي بحر أو برد)([6]).

ج. وجود فتحة في سقف الكهف تصل فناءه بالخارج تساعد على تعريض الكهف إلى جو مثالي من التهوية وتبديل هواءه بصورة مستمرة والإضاءة عن طريق تلك الفتحة مع وجود الفجوة (وهي المتسع من المكان) في الكهف التي ذكرها القرآن في قوله تعالى: (وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا) [الكهف/17] . مما جعل هذا المكان مناسباً لهم .

د. الحماية الخارجية : بإلقاء الرهبة عليهم وجعلهم في حالة غريبة جداً وغير مألوفة لا هم بالموتى ولا بالأحياء (إذ يراهم الناظر كالأيقاظ يتقلبون ولا يستيقظون كما سيأتي لاحقاً) بحيث أن من يطلع عليهم يهرب هلعاً من مشهدهم وكان لوجود الكلب في باب فناء الكهف دور في حمايتهم (كأنه يحرسهم) في قوله تعالى : (وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوْ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا) [الكهف/18] . إضافة إلى تعطيل حاسة السمع لديهم كما ذكرنا أعلاه كحماية من الأصوات الخارجية .

هـ. حمايته تعالى لأعينهم وإلقاء الرهبة منها : ففي قوله تعالى (وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود) [الكهف/18] . فيه إشارات علمية دقيقة جداً فقد ثبت طبياً :

1. أن العين في حالة كونها منفتحة على الدوام ولأسباب مرضية متعددة تتعرض للمؤثرات الخارجية فتدخلها الجراثيم والأجسام الغريبة مما يؤدي إلى حدوث تقرحات القرنية (مقدمة العين) وعتمتها (Corneal Opacity) وبالتالي فقدان حاسة البصر .

2. وكذلك فإن العين في حالة كونها منغلقة على الدوام يؤدي ذلك إلى ضمور العصب البصري بعدم تعرضه للضوء الذي يمنع العين من قيامها بوظيفتها إذ أنه من المعروف في علم وظائف الأعضاء (علم الفسلجة) أن أي عضو كان من أعضاء الإنسان أو أجهزته يصاب بالضمور والموت التدريجي إن لم تهيأ له الأسباب للقيام بوظيفته (Disuse Atrophy) . ودليل ذلك أن المسجونين لفترات طويلة في الأماكن المظلمة يصابون بالعمى .

3. أما في الحالة الطبيعية (اليقظة) فإن أجفان الإنسان ترمش وتتحرك بصورة دورية لا إرادية على مقلة العين تعينها الغدد الدمعية التي تفرز السائل الدمعي النقي الذي يغسل العين ويحافظ عليها من المؤثرات الخارجية الضارة ، فهذه العملية المركبة تحافظ على سلامة العين. فالله سبحانه وتعالى الذي حافظ على أجسادهم وجلودهم من التلف بالتقلب المستمر مع التعرض المناسب لضوء الشمس كما ذكرنا سابقاً هو نفسه الذي حفظ عيونهم بهذه الطريقة العلمية من العمى فقد قال في محكم كتابه : (وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود) ولم يقل: (وتحسبهم أمواتاً وهم رقود) لأن أحد علامات اليقظة حركة رمش أجفانهم وقد يكون في هذا أيضاً (والله أعلم) السر في إلقاء الرهبة من منظرهم في قوله :
(لو أطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً) [الكهف/18] فهذا الوضع الغريب وغير المألوف حيال كونهم ليسوا بموتى ولا بمستيقظين ولا بنائمين نومة طبيعية (لأن النائم لا ترمش عينه) ، هذه الهيئة (والله أعلم) هي التي جعلت الناظر إليهم يهرب فزعاً ويمتلئ قلبه رعباً من منظرهم وليس الفرار منهم بسبب طول شعورهم وأظافيرهم وتغير شكلهم وهذا بعيد كما يقول القرطبي في تفسيره ما نصه : (لأنهم لما استيقظوا قال بعضهم لبعض (لبثنا يوما أو بعض يوم) ودل هذا على أن شعورهم وأظفارهم كانت بحالها.. والصحيح في أمرهم أن الله عز وجل حفظ لهم الحالة التي ناموا عليها لتكون لهم ولغيرهم فيهم آية . فلم يبل لهم ثوب ولم تغير صفة... وأيقظهم الله من نومهم على ما كانوا عليه من هيئاتهم في ثيابهم وأحوالهم)
([7]).

 وخلاصة القول فإن الله تعالى هيأ لأهل الكهف كل أسباب الحماية الطبيعية والطبية فقد جعل الشمس تدخل كهفهم بصورة متوازنة وكأنها حانية عليهم ترعاهم في الصباح والمساء وقلب أجسادهم فحفظها من التلف وعطل حواسهم عن التأثر بالمحفزات الداخلية والخارجية وجعل أعينهم ترمش فحافظ عليها من العمى وجعل فوق الكهف فتحة لتغيير هواء الكهف بصورة متواصلة وحماهم كذلك من دخول أحد عليهم وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله تعالى وقد يكشف عنه العلم مستقبلاً .

 

4. الكلب حيوان تجريبي :

جرت على الكلب نفس أحوال أصحاب الكهف وفي ذلك إشارة احتمالية إلى أنه يصلح لإجراء التجارب العلمية عليه كنموذج تجريبي في حالة القيام بأبحاث طبية مستقبلاً (كالتجارب على الجهاز المنشط الشبكي في الدماغ مثلاً) . علما أن ذكر الكلب لم يرد في الأخبار التي وردت قبل الإسلام بخصوص قصة أصحاب الكهف وقد تفرد القرآن الكريم بذكره .

 

ثالثاً : الإشارات الفلكية والجغرافية :

 

1. الموقع الجغرافي : يقع الكهف في الأردن جنوب مدينة عمان (قرية الرقيم) بنحو 7 كم على خط عرض حوالي 32 درجة شمالاً وخط طول نحو 36 شرقاً ، وفتحة بابه متجهة إلى الجنوب وهو الموقع الجغرافي والمناخي المثالي في ذلك المكان بالنسبة لأحوال الجو ودرجة الحرارة وكمية التعرض للشمس خلال الفصول الأربعة وغيرها من العوامل الأخرى بحيث أصبح هذا المكان مرفقاً مناسباً من جميع النواحي الصحية والطبيعية لقوله تعالى (فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا) [الكهف/16] .

 

2. السنة الشمسية والقمرية : كانت مدة رقودهم في الكهف (300) سنة شمسية وتعادل (309) سنة قمرية إذ أن الفرق بينهما هو (11) يوماً للسنة الواحدة ولمدة (300) سنة شمسية يتراكم الفرق ليكون (9) سنوات فتصبح (309) سنة قمرية وذلك في قوله تعالى (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا) [الكهف/25] وفي هذا إشارة إلى التقويمين الشمسي والقمري (الميلادي والهجري) كما ذكره معظم المفسرين قديماً وحديثاً([8]) .

 

رابعاً : الإشارات الحسابية (الإعجاز العددي)

1. بيان عددهم الحقيقي :

استنبط العلماء وأولهم أبن عباس (رضي الله عنهما) أن عددهم هو (7) ، حيث قال : (أنا من القليل الذين استثناهم الله وكانوا سبعة)([9]) وذلك من قوله تعالى (سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلا قَلِيلٌ) [الكهف/22] . وقد تم هذا الاستنباط من خلال :

أ‌.    لوجود حرف (واو) الابتداء في قوله تعالى : (وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) كما قرره الزمخشري في تفسيره الكشاف([10]). وتوضيح هذا التفسير هو أن الواو في قوله تعالى (وثامنهم) يجوز أن تكون للابتداء وهو كثير جداً في كلام العرب ، ومعنى ذلك أنه يجوز أن تنوي الوقفة في القراءة على قوله تعالى : (ويقولون سبعة) ، وهذه حكاية لقولهم . ثم تقرأ (وثامنهم كلبهم) على أنه قول الله عز وجل . فلما أقر الله عز وجل أن ثامنهم كلبهم عُلِمَ بذلك تصديق بكونهم سبعة .   

ب‌.   المحاورة التي جرت بين أصحاب الكهف بعد استيقاظهم في قوله تعالى (وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا) [الكهف/19] . حيث أن كلمة (قالوا) وردت مرتين وإن أقل الجمع هو ثلاثة في أحد قولي الأصوليين والقائل الأول هو واحد في قوله تعالى : (قال قائل منهم) . فأصبح المجموع سبعة .

 


 

2. عدد كلمات الآيات الثلاث الأولى من القصة :

وهي الآيات (9 ، 10 ، 11) وإلى قوله تعالى (سنين عدداً) هو (33) كلمة وتعادل عدد سنين الدورة الفلكية الشمسية والتي هي (33) سنة ، علماً أن كلمة (الشمس) تكررت في القرآن الكريم في (33) موضعاً([11]) .

 

3. عدد الآيات والكلمات المتعلقة بقصتهم :

إن سورة الكهف هي السورة رقم (18) في ترتيب المصحف واللافت للانتباه أن عدد آيات القصة هو (18) آية أيضاً وعدد كلماتها جميعاً هو (336) كلمة الذي هو من مضاعفات العدد (7) فإن (748=336) علماً أن الآيات الأربع الأولى من قصتهم والتي تمثل الموجز (خلاصة القصة) كما ذكرنا سابقاً هو (42) كلمة وهو من مضاعفات العدد (7) أيضاً حيث أن (76=42) وهذا العدد يمثل سُبُع عدد كلمات تفصيل القصة والبالغ (294) كلمة إذ أن (29442=7) . وقد يكون في ذلك إشارة إلى عددهم السباعي كما جاء أعلاه في بيان عددهم الحقيقي .

والعدد (336) الذي يمثل مجموع كلمات القصة هو حاصل ضرب الأعداد (1274) والتي تمثل عدد أشهر السنة (12) ، وعدد فصولها (4) وعدد أيام الأسبوع (7) والله أعلم بمراده .

 

4. عدد الكلمات في قصتهم من بدايتها إلى قوله تعالى (ولبثوا في كهفهم) :

حيث يبلغ عددها (308) كلمة وذلك من قوله تعالى (أم حسبت) إلى قوله (كهفهم) ثم تأتي بعدها عبارة (ثلاث مائة سنين وأزدادوا تسعا) بياناً وهي تعادل (309) رقماً ! فسنجد أن الكلمة (ثلاث) هي الكلمة (309) في القصة([12]) .    

 

خامساً : الإشارات الآثارية :

يقول الله تعالى (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا) [الكهف/21] . وكلمة (أعثرنا) تعني (أطلعنا) فقد عثر وأطلع الناس عليهم أولاً في عهد الملك الصالح (ثيودوسيس الثاني) وهم أحياء وتجدد العثور عليهم وعلى كهفهم مرة أخرى عام 1963 من قبل هيئة الآثار الأردنية قرب قرية (الرقيم) على بعد (7) كم جنوبي عمان ليتجدد ظهور هذه المعجزة القرآنية الكبرى([13]) .

(حيث كانت نتائج الحفريات والتنقيب كما يلي :

1.  تم العثور داخل الكهف على نقوش وحلي ونقود فضية بيزنطية ترجع إلى القرن الثالث الميلادي مصداقاً لقوله تعالى (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ) [الكهف/19] والورق هو (العملة الفضية) التي كانوا يحملونها .

2.    تم العثور على سبعة قبور وعلى قبر كلب مع جماجمهم . قال تعالى (وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) [الكهف/22] .

3.  تم العثور على المسجد (المعبد) فوق كهفهم ولا تزال اعمدته باقية وماثلة للعيان الذي ذكره القرآن في قوله تعالى (قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا) [الكهف/21] .

4.  تم العثور على الفجوة التي بداخل الكهف التي يعتقد أن الفتية ناموا فيها وتبلغ مساحتها تقريباً 43 أمتار وترتبط بالخارج من خلال سقفه بفتحة (نفق) من الجهة الشرقية منه للتهوية والإنارة ، قال تعالى (وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا) [الكهف/17] .

فالآيات القرآنية الكريمة وما ورد فيها من أوصاف تنطبق تماماً على هذا المكان دون غيره)([14]) . وهذا تأكيد لقوله تعالى (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ) [الكهف/21] أي أطلعنا الناس عليهم فاكتشفوا موقعهم ليستدلوا بذلك على صحة البعث والنشور وأن يوم القيامة حق . فكما حفظ الله سبحانه وتعالى القدير أجساد هؤلاء الفتية من البلى وأعاد إليها الروح بعد رقود طويل فإنه قادر على أن يجمع شتات الأبدان ورميمها ويعيد إليها الروح يوم الحساب([15]) .

وهذا هو المغزى الأساس من ذكر القرآن الكريم لهذه القصة المهمة وما الإشارات الطبية والعلمية المختلفة التي ذكرناها إلا تعزيزاً وبرهاناً لهذا الركن المهم من أركان الإيمان قال تعالى : (ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحي الموتى وأنه على كل شيء قدير ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور)  [الحج/6ـ7] .    

 

 أ.د.محمد جميل الحبال      

والحمد لله رب العالمين.    

 

المصادر والمراجع :

1.    ابن كثير ـ تفسير القرآن العظيم ـ الطبعة الأولى ـ دار الجيل ـ بيروت ـ 1988.

2.    القرطبي ـ الجامع لأحكام القرآن ـ الطبعة الأولى ـ دار الكاتب العربي ـ القاهرة ـ 1967 .

3.  بسام جرار ـ ولتعلموا عدد السنين والحساب ـ مركز نون للدراسات القرآنية ـ الطبعة الأولى ـ مطبعة الأمل ـ القدس ـ 1999 .

4.    حيدر المؤمن ـ كهف الرجيب في عمان ـ مجلة منار الإسلام ـ العدد 6 ـ ص38ـ43 ـ 1999 .

5.    سيد قطب ـ في ظلال القرآن ـ الطبعة الرابعة ـ الدار العربية للطباعة والنشر والتوزيع ـ بيروت ـ 1968 .

6.    عبد الله العمراني ـ النيام السبعة وأصحاب الكهف ـ مجلة العربي ـ العدد 216 ـ ص33ـ35 ـ نوفمبر 1976 .

7.  محمد تيسير ظبيان ـ أهل الكهف وظهور المعجزة القرآنية الكبرى ـ الطبعة الأولى ـ دار الاعتصام ـ القاهرة ـ 1978 .

8.  محمد تيسير ظبيان ـ هل هذا هو الكهف الذي تحدث عنه القرآن ـ مجلة الوعي الإسلامي  ـ العدد 47 ـ السنة الرابعة ـ ص52ـ57  ـ 1996 .

9.  محمد جميل الحبال ووميض العمري ـ الطب في القرآن ـ الطبعة الأولى ـ دار النفائس للطباعة والنشر ـ بيروت ـ 1997 .

10.    محمد جميل الحبال ومقداد الجواري ـ العلوم في القرآن ـ الطبعة الأولى ـ دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع ـ بيروت ـ 1992 .

11.    محمد جميل الحبال ـ العلوم المعاصرة في خدمة الداعية الإسلامي (مطابقة الحقائق العلمية للآيات القرآنية ـ مطبعة الموصل ـ الموصل ـ 2000 .

12.           محمود العبادي ـ الآثار الإسلامية في فلسطين والأردن ـ الطبعة الأولى ـ المطبعة التعاونية ـ عمان ـ 1973 .

13.           محمود شلبي ـ حياة أصحاب الكهف ـ الطبعة الأولى ـ دار الجيل ـ بيروت ـ 1985 .

14.           مصطفى مسلم ـ مباحث في التفسير الموضوعي ـ الطبعة الثانية ـ دار القلم ـ 1997.

15.           وهبة الزحيلي ـ التفسير المنير ـ الطبعة الأولى ـ دار الفكر ـ دمشق ـ 1991 .

الدكتور محمد جميل الحبال

طبيب استشاري وباحث في الاعجاز الطبي والعلمي في القرآن والسنة

الموصل العراق

E-MAIL:ALHABBAL45@YAHOO.COM

 


 

([1]) محمد تيسير ظبيان ـ أهل الكهف وظهور المعجزة القرآنية الكبرى ـ ص130 .

([2]) أبن كثير ـ تفسير القرآن العظيم ـ 3/71ـ72 .

([3]) سيد قطب ـ في ظلال القرآن ـ 5/85 .

([4]) سيد قطب ـ في ظلال القرآن ـ 5/86 .

([5]) الدكتور وميض رمزي العمري ـ اتصال شخصي .

([6]) القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن ، 10/369  .

([7]) القرطبي ـ الجامع لأحكام القرآن ـ 1/373ـ374 . 

([8]) محمد جميل الحبال ـ العلوم المعاصرة في خدمة الداعية الإسلامي (مطابقة الحقائق العلمية للآيات القرآنية) ، ص32 .

([9]) وهبة الزحيلي ـ التفسير المنير ، 15/227 .

([10]) المصدر نفسه .

([11]) محمد جميل الحبال ـ العلوم المعاصرة في خدمة الداعية الإسلامي (مطابقة الحقائق العلمية للآيات القرآنية) ، ص33 .

([12]) بسام جرار ـ ولتعلموا عدد السنين والحساب ، ص75 .

([13]) محمد تيسير ظبيان ، أعظم اكتشاف تاريخي وأثري في القرن العشرين (أهل الكهف) ورفيق رجا الدجاني ، اكتشاف كهف أهل الكهف .

([14]) عبد الله العمراني ـ النيام السبعة ـ  مجلة العربي ـ العدد (216) ـ ص 35.

([15]) مصطفى مسلم ـ مباحث في التفسير الموضوعي ـ ص207  . ونرى أن عبارة (أعادها إلى اليقظة) أولى من عبارة (أعاد إليها الروح) وذلك لدفع توهم أنهم ماتوا .