توظيف السمع والبصر الدماغي

)دراسة قرآنية طبية(

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه . وبعد:

إن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي كرمه الله وفضله على جميع مخلوقاته قال تعالى : (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) (الإسراء:70) وخلق له  للفهم والإدراك  منطقة  في مقدمة دماغه ( الناصية)  لاتخاذ القرار حسب اختياره وهداه للطريق المستقيم عن طريق الرسل والأنبياء والكتب السماوية ويسّر له ذلك [1].

إن مواقف الناس باستعمال الوسائل المعرفية والمراكز العقلية العليا (وخاصة المنطقه الموجود في مقدمة الفص الأمامي للدماغ), تجاه حقائق الإيمان وآيات الله القرآنية والكونية تنقسم إلى ثلاثة أقسام :

1.    المؤمنون - يوظفون هذه المنظومة بالطريقة الصحيحة ويستفيدون من مراكزهم الذهنية والعقلية العليا في فهم الحقائق والآيات ويفتحون لها الجهاز ويحللون المعطيات الواردة ويتوصلون بعد فهمها إلى  الانقياد لأوامر الله تعالى والإذعان لها وإتباعها فإن الله عزوجل في حالتهم هذه سيزيدهم فهما وعلما وإيمانا قال تعالى : (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) (محمد:17) وقال تعالى : (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) (قّ:37) . يقول صاحب صفوة التفاسير في تفسير هذه الآية (تذكرة وموعظة لمن كان له عقل يتدبر به أو أصغ الى الموعظة وهو حاضر القلب ليتذكر ويعتبر. وقال الضحاك: العرب تقول: ألقى فلان سمعه إذا استمع بأذنيه وهو شاهد بقلب غير غائب) [2] .

2.    الكافرون- يغلقون على هذا الجهاز ولا يستفيدون من معطياته ونعمه بإرادتهم  ويبتعدون عن كل ما يهديهم إلى الحق وفهم الآيات القرآنية والكونية ويكابرون ويمنعون بإرادتهم واختيارهم من دخول هذه المعلومات لإدراكها وهم على  مقدرة من ذلك بدليل أنهم يفهمون الأمور الدنيوية الأخرى على أحسن وجه كذلك يسمحون بإدخال الأمور التي تهواها أنفسهم كالأمور الشركية الخالية من التوحيد الخالص حيث يسمحون بإدخالها وفهمها وإتباعها خلافا للحقائق الإيمانية ويغالطون بأنهم يتبعون أهوائهم و ما وجدوا عليهم آباءهم  فانهم بذلك يصابون بالصمم والعمى الداخلي قال تعالى :

(وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ ، وَمِنهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ  ، إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَـكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ )  [ يونس : 42- 44] فانهم وبالتدريج سيخسرون تنشيط هذه المراكز الذهنية العليا من سمع وبصر فيصابون  بالأمراض النفسية والعضوية لعدم الاستفادة منها وعدم توظيفها على الوجه الصحيح في الحياة الدنيا فضلا عن الخسران الكبير في الحياة الآخرة قال تعالى : (....... لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (المائدة:33)

 

فالكافرون يعرضون عن الإيمان بإرادتهم وباختيارهم والآيات الاتية تدل على هذا الإنكار والصدود :

(إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ،وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ) (النمل: 81-80)

        (وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ) (لأعراف:193)

        (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً) (الاسراء:46)

 

        (الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً) (الكهف:101)

        (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ) (التوبة:127).

وذكر الصابوني  في تفسيره لهذه الآية (ثم انصرفوا من المجلس متسللين الى منازلهم خوف الفضيحة بسبب أنهم قوم لا يفهمون القرآن فهما واعيا ومقبولا ولايدركون الحق لعدم تدبرهم او محاولتهم لفهمه وتدبره فإن الله تعالى في هذه الحالة قد صرف قلوبهم عن الخير والرشد والهداية والإيمان) [3] .

        (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ، وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) (الأنعام:25-26)

وجاء في تفسير هذه الآية ( والمشركون ينهون الناس عن سماع القرآن ويبتعدون هم بأنفسهم عنه وما يشعرون بضرر كفرهم على أنفسهم( [4].

        وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ,يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (الجاثـية:7-8)

 

3.    المنافقون  - وهم الأخطر لأنهم كاذبون ويظهرون الإيمان ويبطنون الكفر حيث أنهم يوظفون هذه المراكز ويسمحون للمعلومات الدخول إليها ويفهمونها ولكن لمرض في قلوبهم ولإتباعهم أهواءهم فإنهم بدلا من الإيمان والانقياد لها كما في حالة المؤمنين فإنهم يتخذون القرار المعاكس داخليا وهو الكفر بها  و يظهرون للمجتمع الإيمان و يبطنون العكس. قال تعالى في وصفهم:

(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ، يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ،فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) (البقرة:8-10)

 

أنظر الى دقة التعبير القرآني في قوله تعالى في حق المنافقين (ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون ) حيث أن نفاقهم أي كذبهم بإظهار الإيمان استحقوا بذلك العذاب الأليم. بينما بالنسبة للكافرين قوله تعالى في الآيات التي سبقت آيات المنافقين أعلاه: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (البقرة:6-7)

 

فالكافرون (لهم عذاب عظيم)  والمنافقون (لهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون) ,  فذنبهم أعظم وخطرهم اكبر وهذا ما ذكرته الآيات القرآنية في بدايات سورة البقرة حيث ذكرت المؤمنين في أربع آيات .قوله تعالى : (ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ،الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ،وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ،أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (البقرة2-5) وذكرت الكافرين في آيتين فقط.! (المذكورتين أعلاه 6-7) أما المنافقين فقد خصصت لهم ثلاثة عشرة آية ! (الآيات 8-20).

وهؤلاء المنافقون كالكافرين يضلهم الله ويطبع على قلوبهم ويعانون أيضا الأمراض النفسية والعضوية الدماغية وغيرها لعدم توظيف مراكزهم الدماغية العليا بالطريقة الصحيحة. وعذابهم وخزيهم أكبر من الكافرين قال تعالى : (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا) (النساء:145)  

والسؤال الذي يطرح نفسه ما الفرق بين الكافرين والمنافقين في هذه الحالة ؟. والجواب أن الكافرين حالتهم كما ذكرناها سابقا . أما المنافقون فكما ذكرنا أعلاه : فإن الأمور الإيمانية يفهمونها ويدخلونها إلى مراكز السمع والبصر الدماغي ويعقلوها ولكن لمرض في قلوبهم ولإتباع أهوائهم وشهواتهم فإنهم ينكرون ويكفرون بها داخليا (باطنيا) ويظهرون الإيمان والتصديق بها ظاهرا. قال تعالى:

        (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) (البقرة:14)

        (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ) (المنافقون:3)

        (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (المائدة:41)

        (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (البقرة:75) ، وقال الضحاك عن ابن عباس : يعني المنافقين من اليهود كانوا إذا لقوا أصحاب محمد  (ص) قالوا :آمنا وقال السدي هؤلاء أناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا. ( وقد كان فريق منهم...ثم يحرفونه) أي يتأولونه على غير تأويله (من بعد ما عقلوه) أي فهموه على الجلية ومع هذا يخالفونه على بصيرة ( وهم يعلمون) أنهم مخطئون فيما ذهبوا إليه من تحريف وتأويل. وقال السدي: هي التوراة حرفوها وهم يعلمون أنهم أذنبوا. وقال قتادة: هم اليهود كانوا يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه ووعوه. وقال مجاهد: الذين يحرفونه والذين يكتمونه هم العلماء منهم.) 1.

 وقوله تعالى : ( لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (البقرة:114).

 قد يشمل الإصابة بالأمراض العقلية والنفسية والخرف المبكر فيتصرفون بدون وعي أو إدراك وهو نوع من أنواع الخزي الدنيوي والله أعلم.

        (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً) (النساء:155) .

 

 

 

 

 

 

وقولهم (قلوبنا غلف) أي في غطاء وهذا كقول المشركين (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ) (فصلت:5) ومعناه أنهم إدّعوا أن قلوبهم غلف للعلم (بل طبع الله عليها بكفرهم) فعلى القول الأول كأنهم يعتذرون إليه بأن قلوبهم لا تعي ما يقول لأنها في غلف وفي أكنة، وقال الله:بل هي مطبوع عليها بكفرهم ( فلا يؤمنون إلاّ قليلا) أي تمرنت قلوبهم على الكفر والطغيان وقله الايمان )[5]

 

 

        (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً) (النساء:137)  أي أن المنافقين في هذه الصفة فإنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم ثم وصفهم بأنهم يتخذون الكافرين أولياء كمن دون المؤمنين بمعنى أنهم معهم في الحقيقة يوادنهم ويسرّون إليهم بالمودة ويقولون لهم إذا خلو بهم : إنما نحن معكم إنما نحن مستهزئون أي بالمؤمنين في إظهارنا لهم الموافقة) [6].

 

 

 حالة خاصة!

وهي حالة المؤمنين الذين يُكرهون على الكفر. كما قال تعالى : (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النحل:106).

فالمؤمنون الذين يكرهون على الكفر والتصريح به وقلوبهم مطمئنة بالإيمان ولا يشرحون صدروهم للكفر ينطبق عليهم ما ينطبق على المؤمنين لأن مراكزهم الذهنية العليا مفعمة بالإيمان وتعرف الحقائق وتؤمن بها ولكن لا تستطيع التصريح بها للضغوط الخارجية التي قد تجبرهم على قول عكسها (ظاهريا) ولكن قلوبهم ( مطمئنة بالإيمان) ولكون الأصل هو القلب وما بداخله وسلامته العقائدية قال تعالى: (إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الشعراء:89) ولا يمكن أن يكون اعتماده إلا قلبا واحدا فقط . قال تعالى : (مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) (الأحزاب:4)  فإما الإيمان أو الكفر أو النفاق  وهو الأصل في الحساب وما ينبني عليه , لذلك يجب على المؤمن أن يزكي قلبه ويخلص لله في عمله ويقوي إيمانه دائما بالتدبر والفهم والعمل بالآيات القرآنية  والتوجيهات النبوية قال تعالى:  (فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ) (الأنبياء:94) وقال تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً) (طـه:112) .

الكافرون والانتقائية في توظيفهم لمراكزهم الدماغية السمعية والبصرية ( العقلنه) !

 

إن الكافرين لديهم المراكز الدماغية العليا الداخلية  للسمع و البصر ( العقلنه) فضلا عن وسائل السمع والبصر الخارجيين , ولكنهم لا يوظفونهما إذا كان الأمر متعلق بالإيمان بالله سبحانه وتعالى وحده وباليوم الآخر والبعث والنشور وبقية أركان الإيمان والإسلام , حيث انهم يعرضوا عنها ولا يوظفونها في هذه المراكز العليا المسؤولة عن الفهم والإدراك والإتباع والانقياد كما هو الحال عند المؤمنين بل يقوموا بتعطيلها ويضعوا الحواجز أمام إدراك هذه الآيات القرآنية والكونية بإرادتهم (التي تؤدي في حالة إدخالها وفهمها والانقياد لها الى الايمان واليقين). وفي الوقت نفسه فإنهم في الأمور الدنيوية البحتة والعقائدية المنحرفة التي ترضى بها أهوائهم وتوحي بها شياطينهم من الجن والأنس فإنهم يسمعونها ويدركونها ويفهمونها جيدا ويرضون عنها ويعملوا بمقتضاها ويطبقوا ما جاء فيها ! .

 

 

 

قال تعالى :

1.    (وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) (الزمر:45)

1.(وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً) (الإسراء:46)

2.    (ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ) (غافر:12)

3.    (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) (الأنعام:112)

فالمراكز الدماغية المركزية ( العقلنة) فعّالة عند الكافرين حالهم حال المؤمنين ولكنهم يمارسون الانتقائية باختيارهم وبإرادتهم فيفهمون ويدخلون المعلومات التي يرغبون بها وبما تهوى أنفسهم ويتغاضون وينكرون ما يصلح شؤونهم في دنياهم وآخرتهم فأصبحوا بذلك كالأنعام بل هم أضل حيث أن الله خلق هذه الحيوانات بدون مراكز ذهنية دماغية (بدون عقلنة) تميز وتدرك الأشياء فتعطيلهم لتلك المراكز الذهنية ( المراكز العقلية السمعية والبصرية ) أصبحوا كالبهائم .

 

 قال تعالى مؤكدا ذلك :

        (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً) (الفرقان:44)

        (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) (لأعراف:179)

        (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ) (البقرة:171)

 

فما الذي يحصل عندهم بعد هذا التعطيل الإرادي وقرارهم بعدم الانصياع والإتباع لنداء الفطرة والإيمان الذي غرسه الله سبحانه وتعالى بحكمته ومحبته لعباده في أدمغتهم وخلقهم على الحنفية السمحة والتوحيد والإيمان بالله سبحانه وتعالى وأخذ منهم العهد على ذلك قال تعالى :

        (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (الروم:30)

        (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) (لأعراف:172)

النتيجة لذلك أن الله سبحانه وتعالى يطبع ويختم على أفئدتهم وقلوبهم ومراكزهم الذهنية العليا (مناطق العقلنة) فتصاب بالضمور التدريجي لسبب عدم التوظيف لها Disuse Atrophy)) مما يؤدي إلى حدوث الخرف المبكر (Presenile Dementia) لديهم وهذه الأمراض وغيرها من الأمراض النفسية والعقلية هي من سمات المجتمعات المادية والإلحادية خاصة مرض الزهايمر ( Alzheimer Disease) المنتشر في بلاد الغرب ولكنه قليل الحدوث في المجتمعات والبلاد الإسلامية مقارنة بالبلاد الغربية ! .

 قال تعالى : (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (البقرة:7)

 قال الطاهر ابن عاشور في تفسيره لهذه الآية : (وليس الختم على القلوب والأسماع ولا الغشاوة على الأبصار كما توهمه بعض المفسرين فيما نقله ابن عطية، بل ذلك جار على طريقة المجاز بأن جعل قلوبهم أي عقولهم في عدم نفوذ الإيمان والحق والإرشاد اليها وجعل أسماعهم في استكاكها عن سماع الآيات والنذر وجعل أعينهم في عدم الانتفاع بيما ترى من المعجزات والدلائل الكونية كأنها مختوم عليها ومغشي دونها. أما على طريقة الاستعارة تشبيه عدم حصول النفع المقصود منها بالختم والغشاوة ثم إطلاق لفظ الختم على وجه التبعية ولفظ الغشاوة على وجه الأصلية وكلتا استعارة حقيقية لأن الشبه محقق عقلا لا حسا.

والمراد بالقلوب هنا الألباب والعقول والعرب تطلق القلب على اللحمة الصنوبرية وتطلقه على الإدراك والعقل ولا يكادون يطلقونه على غير ذلك......وهو المراد هنا ومقره الدماغ لا محالة ولكن القلب هو الذي يمده بالقوة التي بها عامل الإدراك) [7].

أما المؤمنون فنظرا لأنهم يوظفوا هذه المراكز وينعشوها بتلاوة القرآن الكريم وحفظه والذكر وغيرها من العبادات والتفكير في آلاء الله. فإنها تنتعش وخلاياها تنشط ويحتفظون ملكاتهم الذهنية طيلة حياتهم المباركة وتقل عندهم نسبة الإصابات بالأمراض النفسية والعقلية ومن أهمها الخرف المبكر (Presenile Dementia).

(قال عكرمة في تفسير قوله تعالى : (...وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً...) (الحج:5)  من قرأ القرآن لم يصر بهذه الحالة!) [8]

 

 


 

الخلاصة

ونختم هذا البحث وكخلاصة له , قوله عز وجل :

1-    ( سمعنا وأطعنا ) وذلك للمؤمنين .

2-    ( سمعنا وعصينا ) وذلك للكافرين والمافقين

والنتيجة بالنسبه للفريق الاول ( المؤمنون) قوله تعالى:

(فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ) طه :123

وبالنسبة للفريق الثاني ( الكافرون والمنافقون) قوله تعالى :

(وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ  )  طه : 124

صدق الله العظيم

والحمد لله رب العالمين

 

الدكتور محمد جميل الحبال

طبيب استشاري باطنية

وباحث في الإعجاز الطبي في القرآن والسنة

10 شعبان -1429 هـ الموافق 11-8-2008م

E-mail: alhabbal45@yahoo.com

مستشفى الملك فهد التخصصي- الدمام-المملكة العربية السعودية

 

أهم المصادر

 

1-    مجموعة التفاسير ( ابن كثير , الطاهر ابن عاشور , الجلالين , محمد علي الصابوني )

2-    مجموعة من المقالات والابحاث على موقع موسوعة الاعجاز العلمي في القران الكريم .

3-    Kaplan & Sadock`s-Synopsis of Psychiatry , 8th ed. ,William`s & Wiskins Maryland. USA (1998)

4-    محمد جميل الحبال- الطب في القرآن- دار النفائس بيروت (1997م) .   


 

[1]- محمد جميل الحبال الطب في القرآن ص 10-11 / دار النفائس بيروت( الطبعة الثانية)

[2]- محمد علي الصابوني- صفوة التفاسير (3/247) دار القلم - بيروت (الطبعة الخامسة)

 [3]  محمد علي الصابوني صفوة التفاسير - ص208

[4] - المصدر اعلاه -  ص131

[5]  - تفسير ابن كثير   1/750  .

[6] - تفسير ابن كثير 1/741.

[7]  - الطاهر ابن عاشور تفسير التحرير والتنوير ص 149-150 .

[8] - تفسير الجلالين ص 399-دار الكتاب العربي بيروت 2001 ط1 .